سهيلة عبد الباعث الترجمان

358

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

لحكمة يعلمها اللّه ، أدركه الندم على ما عيّن وتمنّى أنه لم يعيّن ، فالإمداد تنفس روحاني " « 1 » . فإذا علمنا معنى الإمداد الإلهي على هذه الصورة لدى ابن عربي وكيفية مدّه للموجودات من جانب الممد ، نراه يميز بين أنواع من هذا الإمداد الذي يخصّ الحق به الخلق بحيث يظهر أثر ذلك في عملية الخلق ، فهو من جانب إمداد طبيعي ، ومن جانب آخر مزاد . فالإمداد الطبيعي ما تمسّ الحاجة إليه لقوام ذاته ودفع ألم يقوم به . والمزاد ما يزيد على هذا مما لا يحتاج في نفسه إليه . كذلك الإمداد المزاد على قسمين : وهو ما يمد به الحق مما لا يحتاج إليه الغير ، وفيه يقول اللّه آمرا نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً « 2 » فيقول : " إن كان إمداد من اللّه لهذا العبد ليمدّ به يعلم اللّه أنه يحتاج إليه ليشرّف الواسطة بذلك ، فيجد من العبد في نفسه علما لا يقتضيه كمال حاله ، فيعلم أن المراد به التعليم والإمداد للغير " « 3 » وقد ذهب ابن عجيبة « 4 » في شرحه على حكم ابن عطاء اللّه ، ما ذهب إليه ابن عربي في مذهبه عند جعل الإمداد لقوام ذات المخلوق ، والقوام بمعنى قيام الموجود بالحق نتيجة الإمداد له ، وهو ما رمى إليه ابن عجيبة من إظهار قيمة هذا الإمداد من حيث هو نعمة ينزلها اللّه على الموجودات فيكون قوامها به تعالى . وإن كانت نعمة الإيجاد هي الإظهار من عالم الغيب إلى عالم الشهادة ، أو من عالم الأمر إلى عالم الخلق ، أو من عالم التقدير إلى عالم التكوين ، فيكون بذلك إيجاد الخلق ، وقد حدد نعمة الإمداد بقوله : " وأما نعمة الإمداد فهي قيامه تعالى بالأشياء بعد وجودها ، وإمداده إياها بما يقوم به بنيتها ، وهاتان النعمتان عامتان ، واختص الإنسان بما اجتمع فيه من الضدين وهما النور والظلمة واللطافة والكثافة . . . وقوله : أنعم عليك بالإيجاد وثانيا بتوالي الإمداد ، فأشباحنا مفتقرة في كل لحظة إلى نعمة الإمداد بعد نعمة

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 626 . ( 2 ) سورة طه ، الآية : 114 ك . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 626 . ( 4 ) ابن عجيبة الحسني ( أحمد بن محمد ) ، كتاب إيقاظ الهمم في شرح الحكم ، الجزء الأول والثاني ، طبعة أولى ، مصر ، 1324 ه / 1906 م ، ص 144 وما بعدها .